ابن أبي الحديد

181

شرح نهج البلاغة

بسوق الأهواز ، وأراد أهل البصرة الانسلال من المهلب ، فخطبهم فقال : إنكم لستم كأهل الكوفة ، إنما تذبون عن مصركم وأموالكم وحرمكم . فأقام منهم قوم ، وتسلل منهم قوم كثير . وكان خالد بن عبد الله خليفة بشر بن مروان ، فوجه مولى له بكتاب منه إلى من بالأهواز ، يحلف بالله مجتهدا : لئن لم يرجعوا إلى مراكزهم ، وانصرفوا عصاة لا يظفر بأحد إلا قتله . فجاءهم مولاه ، فجعل يقرأ عليهم الكتاب ، ولا يرى في وجوههم قبولا ، فقال : إني أرى وجوها ما القبول من شأنها ، فقال له ابن زحر : أيها العبد ، اقرأ ما في الكتاب ، وانصرف إلى صاحبك ، فإنك لا تدرى ما في أنفسنا . وجعلوا يستحثونه بقراءته ، ثم قصدوا قصد الكوفة ، فنزلوا النخيلة ، وكتبوا إلى خليفة بشر يسألونه أن يأذن لهم في دخول الكوفة ، فأبى ، فدخلوها بغير إذن . فلم يزل المهلب ومن معه من قواده وابن مخنف ، في عدد قليل ، فلم يلبثوا أن ولى الحجاج العراق . فدخل الكوفة قبل البصرة ، وذلك في سنة خمس وسبعين ، فخطبهم الخطبة المشهورة ( 1 ) ، وتهددهم ، ثم نزل فقال لوجوه أهلها : ما كانت الولاة تفعل بالعصاة ؟ قالوا : كانت تضرب وتحبس ، فقال : ولكن ليس لهم عندي إلا السيف ، إن المسلمين لو لم يغزوا المشركين لغزاهم المشركون ، ولو ساغت المعصية لأهلها ، ما قوتل عدو ، ولا جبى فئ ، ولا عز دين . ثم جلس لتوجيه الناس ، فقال : قد أجلتكم ثلاثا ، وأقسم بالله لا يتخلف أحد من

--> ( 1 ) في الكامل : ( وقد ذكرنا الخطبة متقدما ) ، وهي في الكامل 217 ( طبعة أوروبا ) .